الإيمان بالغيب مفهومه وضرورته

الإيمان بالغيب مفهومه وضرورته
هذا هو الركن الأوّل من أركان الإيمان الستة، وهو أصل باقي الأركان، إنّه الإيمان بالله جلّ جلاله، وذلك بالاعتقاد الجازم بوجوده سبحانه، إذ هو أظهر من كلّ شيء، وأنّه تعالى متّصف بأفعال الكمال ونعوت الجلال والجمال، وبإثبات أسمائه الحسنى الدالة عليه وعلى صفاته وعلى آثاره في مخلوقاته، وبتنزيهه سبحانه عن كلّ عيب ونقص، وبتوحيده عز وجل وإفراده بالعبادة وعدم الإشراك به.
مقدمات تمهيدية
1. قوة الإنسان الإدراكية:
2. النقص في أجهزة الحس لدينا:
3. حـدود الحواس:
4. العقـل وحدوده:
5. هل هنالك غيب؟

الفقرة الأولى :

قوة الإنسان الإدراكية:
في داخل الإنسان قوة إدراكية كبيرة، ولكن مدركاتها لا تنبع من داخلها، وإنما تأتيها من العالم الخارجي عنها.
ولهذه القوة الإدراكية في الإنسان منافذ تطل منها على العالم الخارجي ألا وهي (الحواس الخمس): حاسة البصر، وحاسة السمع، وحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، كما لها صلات أخرى تطل منها على عالم النفس، وهي تتمثل بحاسة الانفعالات: كالرضا والغضب، والحب والكراهية… إلخ.
فبمقدار ما تنقل هذه الحواس من حقائق للقوة الإدراكية تستطيع أن تتخيل وتدرك وتحلل وتركب، وتستنتج القواعد العامة، وتقيس الأشباه والنظائر على بعضها، ولا تستطيع شيئاً غير ذلك ولا أكثر من ذلك.
فالعميان مثلاً الذين يولدون وهم فاقدو الأبصار، مهما أوتوا من الذكاء لا يستطيعون أن يتصوروا في مخيلتهم شيئاً عن الألوان، مهما حاولنا أن نقرب لهم ذلك بالتشبيه والتمثيل، حيث لم يسبق لهم أن اتصلوا بإدراك حقيقة أي لون من الألوان عن طريق البصر.
وهكذا سائر العواطف والانفعالات لا نستطيع أن ندرك حقيقتها ما لم نمر بتجربة لها.
النقص في أجهزة الحس لدينا:
وما يدرينا لو مُنحنا بعض حواس أخرى - غير التي هي داخلة في تركيبنا - لاكتشفنا من حولنا أشياء كثيرة هي مغيبة عنا؛ لأننا لا نحس بها.
أليس في الأجهزة التي تقيس درجات الحرارة، والضغط الجوي وغيرها ما يشير إلى نقص كبير في حواسنا ؟!
لقد كان من الممكن عقلاً أن نؤتى الحواس التي ندرك بها ما تحس به هذه الأجهزة، ألن نكون حينئذ أوعى لما حولنا من ما نحن عليه الآن ؟!
فما أكثر نقصنا! على أننا أكمل من غيرنا في الخلق !.


الفقرة الثانية :
النقص في أجهزة الحس لدينا:
وما يدرينا لو مُنحنا بعض حواس أخرى - غير التي هي داخلة في تركيبنا - لاكتشفنا من حولنا أشياء كثيرة هي مغيبة عنا؛ لأننا لا نحس بها.
أليس في الأجهزة التي تقيس درجات الحرارة، والضغط الجوي وغيرها ما يشير إلى نقص كبير في حواسنا ؟!
لقد كان من الممكن عقلاً أن نؤتى الحواس التي ندرك بها ما تحس به هذه الأجهزة، ألن نكون حينئذ أوعى لما حولنا من ما نحن عليه الآن ؟!
فما أكثر نقصنا! على أننا أكمل من غيرنا في الخلق !.
حـدود الحواس:
أما حواسنا التي هي السبيل الوحيد لنا للتعرف على الوجود من حولنا، فهي منافذ قصيرة المدى، محدودة كماً وكيفاً.
وقد اكتشف العلم الحديث أن الفضاء مملوء بالصور التي لا نستطيع أن نشاهدها بأبصارنا؛ لفقد الانسجام والتوافق بين وضعها ووضع أبصارنا، كما أنه مملوء بالأصوات التي هي فوق مستوى سمعنا أو دون مستواه ونحن لا نسمع من ذلك شيئاً؛ إلا أننا استطعنا إدراكها بالآلات الحديثة، ولا يخفى ما يتضمنه الكشف الجديد من الإعلان عن جهلنا في جزمنا السابق وفي إلقائنا الأقوال التي نؤكدها ونجزم بها جزافاً، دون روّية أو عقل نافذ للحقيقة.
وحيث إن حواسنا محدودة كمّاً وكيفاً فلا يصح لنا عقلاً ولا واقعاً أن ننكر أشياء من حقائق الكون -مهما كان نوعها- إنكاراً باتاً قطعياً لمجرد أننا لم نرها، ولم نسمع صوتها ولم نتصل بها بأية حاسة من حواسنا، إلا أن نقيم دليلاً عقلياً وبرهاناً واضحاً يسلم به العقل السليم.
أما الادعاء بأنها غير موجودة لأننا لم نحس بها فذلك أمر ترفضه العقول رفضاً باتاً، كيف لا، ونحن نعلم حقاً -من ألوف التجارب اليومية- أن حواسنا محدودة كمّاً وكيفاً؟! فمن حيث الكمّ، متى تجاوز البعد المسافة التي تسمح لنا بالإحساس ظهر عجز حواسنا بإدراك تلك الأشياء.
وأما من حيث الكيف فلا بد من توفر شروط خاصة لكل حاسة فينا حتى نستطيع أن ندرك بها الأشياء المعروضة على حسّنا، فحاسة البصر فينا مثلاً تحتاج في رؤية الأشياء إلى الضوء، ومتى انعدم الضوء وحلّ الظلام الدامس انعدمت الرؤية تماماً، وكذلك متى صغرت الأشياء المرئية إلى المراتب الدنيا فإننا نعجز عن رؤيتها بالعين المجردة.


الفقرة الثالثة :
الخيال وحدوده:
لدينا في مركب قوة الإدراك زاوية خاصة قادرة على تخيل أشياء غير موجودة أمامنا وفق هذا التركيب التخيلي، لكننا مهما حاولنا أن نتخيل صورة ما من الصور، ومهما سبحنا فيها مع الأوهام الخرافية فإننا لا نستطيع أن نفعل أكثر من أن نضم أجزاء موجودة فعلاً في الكون بعضها إلى بعض، وهذه الأجزاء قد أدركناها فعلاً عن طريق حواسنا، ولكننا بهذا التخيل ضممنا هذه الأجزاء الموجودة بشكل متباعد فتخيلناها على شكل وحدة متماسكة في صورة، ولنضرب لذلك مثلاً صورة خيالية خرافية نحاول أن نتخيلها:
صوت تجسد على شكل حيوان غريب له عشرون جناحاً، جناح من عطور، وآخر من طعوم، وثالث من ورق الشجر، ورابع من ذهب، وهكذا... وله أعين يرى منها في وسط كل جناح، وكل عين عبارة عن بركة من لبن أو عسل أو ماء، وهكذا... ثم بالغ ما شئت في وضع هذه الصورة الخيالية حتى إذا رأيت نفسك قد أغربت وأبدعت، عُد لنحلل لك كل جزء من أجزاء هذه الصورة الخيالية، ثم لنرده إلى أصله من الكون، ولنضعه في مكانه؛ لنريك أنك لم تستطع أن تتخيل أي جزئية من الجزئيات، إلا وقد أدركتها بحاسة من حواسك في شيء من موجودات الكون.
ومن ذلك يستحيل علينا أن نتخيل حقيقة الدار الآخرة وما فيها من صُور، لأننا لم نتصل بأي شيء مما فهيا عن طريق حواسنا.
وعليه فحقيقة الذات الإلهية أبلغ من ذلك، فكيف نستطيع أن نتخيل حقيقة ما لذات الله العظيم الذي لم نتصل بذاته العلية بحاسة من حواسنا؟!
ولذلك قال العقلاء قديماً: (ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك).


الفقرة الرابعة :
العقـل وحدوده:
العقل مقيد بعالم الحس لا عمل له في الحكم على عالم الغيب، ذلك لأن القوة العاقلة فينا التي تجمع بين المصورة والذاكرة والمخيلة والذكاء، تقوم بعملها الجبار في التحليل والتركيب والجمع والتفريق، واستنتاج القواعد العامة والكليات، وقياس الأشباه والنظائر على بعضها، وهذه القوة العاقلة فينا لا تستطيع أبداً أن تصدر أحكامها على مغيبات لم يعرض أمامها شريط مسجل عنها؛ وقد يختلف عالم الغيب عن عالم الحس كل الاختلاف فلا يمكن الحكم عليها بالتشابه، والقاعدة الثابتة عند العلماء: (إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره).
فعالم الغيب لا تستطيع عقولنا أن تحكم على شيء فيه بإثبات أو نفي استقلالاً ذاتياً إلا أن يأتيها خبر يشهد العقل بإمكان وجوده وبصدق ناقله، وعند ذلك تسلم بمضمونه تسليماً تاماً دون مناقشة أو اعتراض.
وحيث إن عالم الحس فينا محدود فالعقل فينا محدود أيضاً من وجهين:
الوجه الأول: محدود بين شيئين هما: الزمان والمكان؛ لذلك يسأل العقل دائماً متى، وأين؟ ولا يستطيع أن يدرك شيئاً خارجاً عن هذين الشيئين.
الوجه الثاني: محدود حينما يعلن عجزه عن التسليم بواحد من احتمالين في الكون لا ثالث لهما.
فمثلاً: يتساءل كل إنسان عاقل بينه وبين نفسه: هل هذا الكون متناهي الحدود أو غير متناهي الحدود؟
فإذا قال لنفسه: انتهى الكون، قال له وهمه: وماذا بعد النهاية؟ وإذا قال لنفسه: الكون لا نهاية له، قال في نفسه: كيف يكون شيء لا نهاية له ؟!
فإذا كان العقل عاجزاً عن الإحاطة الحقيقية بالكون من حوله فهو عن إدراك صورة لحقيقة الأمور الغيبية التي هي وراء المادة أضعف وأعجز.
فكيف بعد ذلك يستطيع هذا العقل المحدود أن يحيط بالله سبحانه ؟! وهو عز وجل غير محدود!!
ومما سبق تتلخص لدينا الحقائق التالية:
أن حواسنا التي هي طرق العلم لدينا محدودة لا تتناول كل شيء موجود.
أن قدرة التخيل فينا محدودة في حدود ما يردنا عن طريق الحواس.
أن عقولنا محدودة لا تستطيع أن تدرك جميع الحقائق الكائنة إدراكاً واضحاً إن اضطرت إلى التسليم بها عقلاً.


الفقرة الخامسة :
هل هنالك غيب؟
كل الأشياء التي اتصلت بها حواسنا في عُرفنا أشياء مادية، لأننا شهدناها شهوداً حسياً، ولا يشك بوجودها إلا فاقد الحس.
غير أن العالم مليء بالأشياء الكثيرة التي لم نتصل بها عن طريق حواسنا ومع ذلك نؤمن بوجودها حقيقة، ونسمي هذه الأشياء بعُرفنا أموراً غيبية؛ أي غائبة عن عالم الحس فينا.
وأن أردت المثال فهاك أقرب مثال إليك: إنها روحك، هذه الأرواح السارية في أجسامنا؛ لا نسمعها، لا نراها، لا نلمسها، لا نبصرها، ومع ذلك فكل عاقل يقطع بوجودها في شخصه، ونحن وإن لم نحس بأرواحنا إحساساً ظاهراً فقد آمنا بها استدلالاً من آثارها فينا، بل علْمنا بها أمر بدهي لا يحتاج إلى دليل.
ذلك أن الاستدلال العقلي أو الشعور الفطري قد يشير إلى وجود شيء غائب عن الحس فيعلم الإنسان بوجوده بداهة، وقد يدرك بعض صفاته بداهة أيضاً، ولكنه لا يستطيع أن يتكهن كيف تكون حقيقته، ولا يصح عقلاً قياس عالم الغيب على العالم المادي المشهود؛ لاحتمال تغايرهما في كل شيء في الماهيات، وفي الصفات الخاصة، وفي الكيفيات ( هذه الفقرة وما سبقها مستفادة بتصرف واختصار من مقدمة كتاب أسس العقيدة الإسلامية لعبد الرحمن الميداني )
يقول وحيد الدين خان: "التجربة والمشاهدة ليستا وسيلتي العلم القطعيتين، والعلم لا ينحصر في الأمور التي شوهدت بالتجربة المباشرة، لقد اخترعنا الكثير من الوسائل والآلات للملاحظة الواسعة النطاق، ولكن الأشياء التي نلاحظها بهذه الوسائل كثيراً ما تكون أموراً سطحية وغير مهمة نسبياً، والذي يطالع العلم الحديث يجد أن أكثر آرائه (تفسير للملاحظات) وأن هذه الآراء لم تجرب مباشرة، ذلك أن بعض الملاحظات تحمل العلماء على الإيمان بوجود بعض الحقائق غير المشاهدة قطعياً، فأي عالم من علماء عصرنا لا يستطيع أن يخطو خطوة دون الاعتماد على ألفاظ مثل: القوة، الطاقة، الطبيعة وقانونها؟ ولا يقدر على تفسير هذه الألفاظ" الإسلام يتحدى

1 commentaires:

Anonyme 23 septembre 2009 à 16:16

merci zinouch pou le site
ze t'aime <3